ازدواجيَّة اللغة والمجتمع العربي

26-03-2024

ازدواجيَّة اللغة والمجتمع العربي

متى بدأ انفصال اللغة العربية الفصحى عن المجتمع، وكيف تشكلت طبقة النخبة السياسية والدينية والثقافية من داخل الفصحى، بينما بقي مجتمع العامية خارجها، حتى بات الوضعُ أشبهَ بالفصل الطبقي بين لغة الحكام والمحكومين، حيث دولةُ الفصحى تحكمها قوانين النَّحو والإملاء؛ بينما لغة الشعب تسرح وتمرح حرةً خارج حدود التَّدوين والصرف والنحو المقدس.. لماذا تجمَّدت الفصحى وأغلقت أبوابها عند زمن تدوين القرآن بينما بقيت العاميَّة سائلة ومتدفقة، متجددة وقادرة على استيعاب حياة الناس... كيف شكَّلت اللهجات العامية جزءاً من هُويَّة المواطنة في دول "سايكس بيكو" ولم تتمكن الفصحى من أن تكون لغة التواصل الموحَّدة بين الشُّعوب العربية ؟! أخيراً لماذا يفكر العربي بالعامية ويكتب بالفصحى، وهل يشكل ذلك حالة من الفصام الفكري؟! كيف سيحلُّ المثقفون العرب هذه المعضلة وهم غير قادرين على تكريس الفصحى ولا الاستغناء عن العامية؟!

***

اشتُقَّتْ الكتابة العربية من الخط النَّبطيّ الذي اشْتُقَّ بدوره من الآرامية، وكان العرب يدوِّنون قصائد شعرائهم الفحول، ويعلِّقونها على جدران الكعبة إلى جانب وثيقة حلف الفضول التي وقعها محمد بن عبدالله قبل نبوَّته، وعندما جاء الإسلام كان هناك سبعة عشر رجلاً، وامرأةٌ واحدةٌ يكتبون بالخط العربي في مكة، وكان رسول الله يطلق سراح الأسير في بدر إذا علَّم عشرة من صبيان المسلمين الكتابة، فيحافظ بذلك على حياة الكَتَبَة، ويقلِّصُ مستوى الأمية في المجتمع المسلم. وكان "القرآنُ" أوَّلَ كتاب يجمعه عرب الجزيرة مدوَّناً بلهجة قريش، وهو كتاب ثقافة عامة كان بمنزلة المنطلقات النظرية لكلِّ داخلٍ في الإسلام، ولم يعتمد خلفاءُ النَّبي أيَّ منهجٍ سابقٍ في تجميع الكتاب الجامع، كما أنَّ الخطَّ والنَّحو والإملاء العربي لم يكن قد أخذ شكله النهائي كما نعلم، والمسلم العربي اليوم يرى اختلافاً في الخط والإملاء القرآني عما يتعلمه في المدرسة..

***

بحسب إحصائية "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" يتكوَّنُ معجم الفصحى من حوالى 80 ألف مدخلٍ معجميٍّ مدعَّمين بالشواهد من القرآن والسُّنَّة والشعر العربي القديم، يستخدم الناس منها اليوم حوالى 20 ألف مدخل، وهذا يعني أن هناك 60 ألف مدخل لم تعد موجودة في الاستخدام اليومي أو الثقافي لعدم الحاجة لها، ويمكن اعتبارها جزءاً من المتحف اللغوي الذي يستعان بمعاجمه لترجمة النُّصوص القديمة، وأما تلك التي لم تمت فقد تغيَّرت مدلولات الكثير منها: فالقطار لم يعد اسماً لقافلة الجمال، والهاتف لا يعني عزيف الجن، والجوال لم يعد صفةً للشخص كثير التجوال، والسيارة ليست مؤنثَ سيَّار، والطاقة لم تعد تعني حزمة الرَّيحان، والصَّاروخ لاتعني الرجل الذي يصرخ، والقاعدة لم تعد مصطلحاً علمياً، والشبكة لم تعد تعني بيت العنكبوت، والعقيلة لم تعد تعني الناقة المربوطة، والجحش باتت شتيمة ولم تعد تعني السيد الكريم في قومه، حيث يحتاج طلاب الأدب العربي اليوم إلى المعجم لترجمة كلمات الشِّعر الجاهلي ومعرفة معانيها، ويمكننا أن نجد فيها أربعين اسماً للناقة التي لم تعد موجودة في حياة الناس، وقس على ذلك...

                           ***

ولكن ماهي النتائج التي أحدثها تعامل الشُّعوب النَّاطقة بالعربية بنسختين لغويتين متقاربتين: الأولى هي لهجة قريش التي تمَّ إغلاقها مع اختتام نصوص القرآن الكريم واقتصر استخدامها على التَّدوين والخطب الدينية والسياسية والشعر الخليلي الموزون، والثانية الموسومة بالعامية وهي النسخة اليومية المستخدمة لعموم الناس في عموم مناحي الحياة: في العمل والسمر والجنس والأغاني والشتائم؟! لو تابعنا تكوين الفرد العربي لوجدنا أنه يبدأ تعليمه بقراءة القرآن وتجويده، وهو لن يفهم الكثير من ألفاظه ومعانيها حتى نهاية عمره، حيث يحتاج دائما إلى مختص يشرح له معناها المعجمي في زمن التنزيل..

***

لكل كائنٍ ناطقٍ معجمُه الذهني غير المدوَّن، فاللغة شيء مخلوق وليست أزلية، وكل لغات الشعوب تطرأ عليها التبدلات بمرور الزمن فتتغير مدلولاتها بتغير الأجيال، بما فيه الرسائل المقدسة التي كان يرسلها الله للبشر، حيث تتغير دلالاتها ومعانيها بتغير الزمن الإنساني، حتى باتت الرسالة هي الرسول الذي أعاد الحواريُّون والصَّحابة والفقهاء تشكيله افتراضياً بحسب فهمهم للكلمات التي تولِّد إيحاءات متعددة لنصٍّ مفتوح، يؤكد ذلك حالة الائتلاف والتَّشابه في الخطوط العامة للرسائل والوصايا الرَّبَّانيَّة المدوَّنة في الكتب المقدسة، والاختلاف والتباين في التفاصيل بين رسائل الرسل الثلاثة الذين أرسلهم الله إلينا بالتتابع، وكأنه يقول لنا إن النص المقدس أيضاً هو مخلوق يمر عليه الزمن، وإذا لم نعترف بتاريخية النص سنغدو كعبدة أصنامٍ عمل الرُّسُل على تحطيمها بسردياتهم الجديدة، ثم يأتي من بعدهم الفقهاء وسدنة النصوص ليقيموا لنا أصناماً نعبدها على شكل مذاهب! لهذا مازلت أقول إن العقل هو رسول الله الدائم الذي يهدينا للتي هي أقوم، وبالتالي يجب تجديد أدوات البحث التي يعتمدها العقل وأولها اللغة، وقد أشار الإمام علي إلى هذه المعضلة عندما وجه عامله لمفاوضة الخوارج وأوصاه ألا يحاججهم بالقرآن لأنه حمَّال أوجه (تقول ويقولون)؛ وقد استمر تداول هذه الوصية دون إدراك أبعادها الفقهية والألسنية طوال 1400 عام إلى أن جاء الفيلسوف البنيوي الفرنسي رولان بارت ليقول بأن "الكلمات لا تقول الأشياء" في كتابه الشهير "الكلمات والأشياء" الذي شكل ثورة في عالم النقد والتفسير النَّصي، إذ أنه فصل بين النص وصاحبه وقال بموت المؤلف واستمرار حياة النص في عقل القارئ، على خطى فريدريك نيتشه الذي قال بموت الله الكامن في لغة النصوص المقدسة، كونها نصوصاً تاريخية تخضع لقوانين الزمن الفيزيائي!؟

                            ***

السؤال الملح علينا اليوم هو ما مصير العربية الفصحى التي توقف استخدامها في المسرح والسينما والتلفزيون واليوتيوب والأغاني وحتى في التبشير والمواعظ الدينية لدى مشاهير الدعاة الذين يملأون الشاشات؟ ما زالت الفصحى سائدة بقوة مؤسسات الدولة التعليمية والسياسية، ويبدو أن تمنع المحكومين عن الإقبال عليها خارج نطاق التعلم هو نوع من ردة الفعل اللاشعوري ضد استبداد النظم العربية الحاكمة، وضد العقلية السلفية الجامدة التي مازالت تعيق تدفق الحداثة، ولربما هذا هو السبب في ضعف إقبال العرب على استهلاك الكتب وبالتالي ما زال حضور المفكرين ضعيفاً بين الناس، ولاتأثير لكتبهم الفصيحة على حياة العامة كما كان تأثير الشعر والصحف الأولى على عرب الجزيرة الذين كانوا يدونون ويفكرون وينطقون بالفصحى قبل اكتشاف النحو وقواعده لحماية العربية من اللحن بعد انتشار الدولة الإسلامية خارج جزيرة العرب، ونحن نرى اليوم كيف ينهب اليوتيوبريون كتب المفكرين والمؤرخين ويعيدون صياغتها بلغة العوام وطريقة تفكيرهم ويحققون انتشاراً ودخلاً كبيراً لم يستطعه مؤلفوا هذه الكتب!؟ وليس ما تقدم  دعوة لاحلال العامية مكان الفصحى التي أحبُّها وأكتب بها، ولكنه إنذار مبكر لمجامع اللغة العربية لمواجهة هذه المعضلة التي تربك تطور العربية نحو استحقاقاتها العالمية.

نبيل صالح

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...