إدارة "الفوضى الخلاقة" تنقل سيناريو الاغتيالات اللبنانية إلى باكستان

29-12-2007

إدارة "الفوضى الخلاقة" تنقل سيناريو الاغتيالات اللبنانية إلى باكستان

الجمل: جاء اغتيال الزعيمة الباكستانية بنازير بوبو المفاجئ –والذي يزعم البعض أنه غير مفاجئ- ظهر الخميس 27 كانون الأول 2007م، ليضيف المزيد إلى الأزمة السياسية الباكستانية التي أصبح سيناريو مشاهدها الدرامية متزايد الإثارة يوماً بعد يوم.
* حادثة الاغتيال والتغطية الإعلامية غير المعتادة:
تم اغتيال الزعيمة بنازير بوبو، زعيمة حزب الشعب الباكستاني المعارض ورئيسة وزراء باكستان السابقة، مباشرة بعد إلقائها لخطاب سياسي جماهيري بمدينة رواليندي الباكستاني.
تناقلت وسائل الإعلام مشاعر الغضب الجماهيري وأعمل العنف التي اندلعت في المدن الباكستانية الرئيسية، والتي خلفت عشرات القتلى. أما بالنسبة للمسؤولية عن حادثة الاغتيال فقد نشر موقع ستراتفور الاستخباري الإلكتروني الأمريكي، خبراً يفيد بأن تنظيم «القاعدة» أعلن مسؤوليته عن حادثة الاغتيال. وأشار التقرير الاستخباري إلى أن هذا الإعلان لم يتم –كالعادة- عن طريق قناة الجزيرة وإنما عن طريق:
• وكالة الأنباء الإيطالية (أدينكرونوس إنترناشيونال).
• صحيفة آسيا تايمز أونلاين – هونج كونج.
كذلك لم يقم زعيم القاعدة أيمن الظواهري بنفسه بـ"الإعلان"، وإنما استخدم مصطفى أبو اليزيد، الناطق الرسمي باسم القاعدة. وتقول معلومات التقرير الاستخباري بأن أبو اليزيد يباشر مهامه عبر بعض العناصر السرية المرتبطة  بقنوات جهاز الاستخبارات الباكستانية.
هذا، ويشير التقرير إلى أن أسباب عدم لجوء القاعدة إلى استخدام «الجزيرة» يعود إلى الاتفاق الذي تم بين الإدارة الأمريكية، والبلاط الملكي السعودي، وشيوخ قطر.
* التوقيت وأبرز التساؤلات:
تعتبر المغدورة بنازير بوتو أحد أركان مثلث الصراع الباكستاني «برويز مشرف – بنازير بوتو – نواز شريف (رئيس حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية)»، وما يميز بين الثلاثة أن:
• الجنرال مشرف يجد مساندة المؤسسة العسكرية والدعم الأمريكي والغربي.
• بنازير بوتو تجد مساندة الجماعات العلمانية ورجال الأعمال والدعم الأمريكي والغربي.
• نواز شريف يجد مساندة التيار الإسلامي المعتدل.
الاغتيال جاء في توقيت تزايدت فيه الاهتمامات الداخلية والخارجية حول جدول الأعمال السياسي الباكستاني، ومن أبرز القضايا المطروحة حالياً ضمن هذا الجدول:
• الانتخابات الباكستانية: هل يتم إجراء هذه الانتخابات في موعدها المحدد بتاريخ 8 كانون الثاني 2008م القادم، أي بعد أقل من عشرة أيام، أم أن الجنرال مشرّف سيقوم بتأجيلها؟
• مستقبل أحزاب المعارضة الباكستانية: يتوقف تماسك قوام حزب الشعب الباكستاني على زعامة أفراد عائلة بوتو. ولكن بعد اغتيال بنازير كيف سيستمر الحزب بالوجود والتماسك، خاصة وأن عائلة بوتو ربطت وجود الحزب بوجود بنازير؟ أما بالنسبة لحزب الرابطة الإسلامية الباكستاني الذي يتزعمه نواز شريف، رئيس الوزراء السابق، فحتى الآن لا يعرف بشكل دقيق الوضع الحقيقي الذي سوف يواجهه بعد اغتيال بوتو، وذلك لأن أنصار بوتو من غير الممكن مطلقاً أن يساندوا شريف وحزبه الذي ظل بمثابة الخصم اللدود لبنازير بوتو وحزب الشعب، إضافة إلى الكراهية المطلقة التي تكنها المؤسسة العسكرية لنواز شريف وحزبه.
• الاضطراب الشعبي: لم تهدأ حتى الآن الاضطرابات وعلى ما يبدو فإنها ستستمر لفترة طويلة، وربما تنشأ على خلفية هذه الاضطرابات المزيد من التحالفات السياسية بين القوى الباكستانية، وربما نشهد المزيد من الاغتيالات أيضاً.
* أبرز الفرضيات: اغتيال بوتو والعامل الأمريكي – الإسرائيلي:
نشر موقع واينماديسون الاستخباري الإلكتروني الأمريكي تقريراً يقول بأن للزعيمة المغدورة علاقات وثيقة مع:
• زعماء مناطق القبائل الباكستانية المعارضين لنظام مشرّف والولايات المتحدة الأمريكية.
• زعماء الحركات الإسلامية الباكستانية.
ومن جهة أخرى نشرت صحيفة لوس أنجلس تايمز الأمريكية تقريراً إخبارياً يفيد بأن الإدارة الأمريكية زودت –قبل عدة أسابيع- بوتو بمعلومات استخبارية حول التهديدات والمخاطر التي سوف تتعرض لها في باكستان.
وبالجمع بين دعم الإدارة الأمريكية (المفترض) لبوتو وادعاء «القاعدة» مسؤوليتها عن الاغتيال، تأتي الإجابة المبرمجة والقائلة بأن خصوم أمريكا هم الذين قاموا بعملية الاغتيال وبأن الإدارة الأمريكية التي تنخرط في الحرب ضد الإرهاب قد بذلت ما في وسعها للحفاظ على سلامة بوتو. ونلاحظ أن هذه الإجابة تؤدي إلى الآتي:
• تبرئة نظام مشرّف من أي شبهة في حادثة الاغتيال.
• كسب أمريكا لتأييد أنصار حزب الشعب الباكستاني الذي تتزعمه بنازير بوتو.
• ازدياد السخط في الشارع الباكستاني ضد الإسلاميين، ونلاحظ أيضاً أن عملية الاغتيال قد أدت إلى توسيع شدة ونطاق الاضطراب السياسي الباكستاني، وهو أمر يتيح لحليف أمريكا القوي الجنرال مشرّف ما يلي:
* توسيع نطاق الجيش والقوى الأمنية.
* تشديد حالة الطوارئ.
* إلغاء الانتخابات الباكستانية وتأجيلها إلى أجل غير مسمى.
* إرباك التحالفات على الخارطة السياسية الباكستانية.
أما موقع المعهد الأمريكي التابع لجماعة المحافظين الجدد فقد نشر تقريراً رئيسياً تحت عنوان «اغتيال بنازير بوتو ومستقبل باكستان» أشار فيه إلى "المخاوف" الأمريكية الآتية:
• استمرار الديمقراطية في باكستان.
• تأثير عملية الاغتيال على الحرب الأمريكية على الإرهاب.
• تأثير الاضطراب السياسي الباكستاني المتزايد على الأمن الإقليمي في المنطقة.
• الدور المطلوب للقوات الأمريكية وقوات حلف الناتو في مواجهة القاعدة والمسلحين الإسلاميين.
إضافة إلى ذلك، فقد صرح ردو غولياني -المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية والوثيق الصلة بإسرائيل والذي تراهن عليه جماعة المحافظين الجدد ومنظمات اللوبي الإسرائيلي- قائلاً بأن "باكستان أكثر خطورة من إيران" وطالب الإدارة الأمريكية بضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية العاجلة لـ"استباق" الخطر الباكستاني المتصاعد.
ولكن إذا كانت بنازير بوتو على علاقة وثيقة بزعماء القبائل الباكستانية المعارضين لنظام برويز مشرّف والإدارة الأمريكية، والداعمين لحركة طالبان وتنظيم «القاعدة»، فلماذا قام الإسلاميون باغتيالها؟؟
أما بالنسبة لتنظيم «القاعدة»، فمن المعروف أنه يقع ضمن شبكة استخبارية مزدوجة تضم المخابرات الباكستانية والمخابرات الأمريكية والمخابرات الإسرائيلية. بكلمات أخرى، ترتبط المخابرات الإسرائيلية (الموساد) بالمخابرات الأمريكية (سي آي إي) والتي ترتبط بالمخابرات الباكستانية (إي إس أي) والذي يرتبط بتنظيم «القاعدة» وحركة طالبان. وهناك سوابق تشير إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي قد استطاعت عن طريق جهاز المخابرات الباكستانية توظيف تنظيم «القاعدة» ودفعه للقيام ببعض العمليات التي تخدم مخططات المخابرات الأمريكية والإسرائيلية ومن أبرز تلك العمليات:
• تجميع المتطرفين من ذوي الأصول العربية وإرسالهم إلى لبنان، وقد كشفت ملفات تنظيم «فتح الإسلام» عن وصول عناصر أصولية من باكستان إلى لبنان وذلك من أجل القيام باستهداف الشيعة اللبنانيين بما يؤدي لإشعال حرب سنية – شيعية في لبنان. وأشارت المعلومات إلى أن سعد الحريري كان يقوم بتقديم الدعم المالي اللازم لهذه العناصر. وقد سبق ذلك تقرير الصحفي الأمريكي سيمور هيرش الذي أشار إلى وجود عمليات سرية استخبارية أمريكية في لبنان يشرف عليها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني.
• تقرير المخابرات الألمانية أشار إلى أن السلطات الألمانية أبلغت الإدارة الأمريكية بوقوع هجمات الحادي عشر من أيلول قبل وقوعها، ولكن إدارة بوش "تجاهلت" الموضوع، وتبين لاحقاً بأن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قد حذرت "أحد أصدقائها" بعدم ركوب أي طائرة في يوم 11 أيلول!!. ولاحقاً أكدت المعلومات أن محمد عطا قائد المجموعة التي نفذت هجمات الحادي عشر من أيلول كان يتلقى التحويلات المالية اللازمة لتمويل العملية من أحد كبار ضباط المخابرات الباكستانية!!
• الحلقات الاستخبارية المرتبطة بتنظيم «القاعدة» تندرج وتدخل ضمنها بعض أجهزة المخابرات العربية كجهاز المخابرات الأردنية العامة الذي يلعب دوراً كبيراً في تغطية أنشطة تنظيم القاعدة في العراق لصالح المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي.
عموماً، حتى الآن، ما تزال الفرصة الأكثر احتمالاً هي قيام جماعة المحافظين الجدد –وتحديداً مكتب تشيني- بنقل إستراتيجية استخدام الاغتيالات السياسية لنشر حالات الفوضى والاضطراب في المناطق المندرجة ضمن دائرة الاستهداف.
وخلال فترة الاضطرابات السابقة نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تحليلاً من إعداد زعيم المحافظين الجدد البارز اليهودي الأمريكي فريدريك كاغان طالب فيه إدارة بوش بالتدخل العسكري في باكستان.
تصعيد الاضطرابات السياسية في باكستان يؤدي إلى انتشار ظاهرة "الفوضى الخلاقة" التي وضعها وولفويتز، والتي تؤدي إلى تفكيك الكيان السياسي بما يؤدي بدوره على توفير المبررات للإدارة الأمريكية للتدخل تحت ذرائع دواعي الأمن من أجل "إعادة الاستقرار للمنطقة" عن طريق "إعادة تركيب" الكيان بالشكل الجديد الذي يتطابق مع المخطط الأمريكي المعد مسبقاً.
وفي الحالة الباكستانية، هناك في مراكز دراسات جماعة المحافظين الجدد حالة واحدة هي ملف المسرح الباكستاني – الأفغاني الذي تنوي التوجهات تقسيمه إلى ثلاثة كيانات:
• الكيان الأول: وسط وشمال أفغانستان.
• الكيان الثاني: جنوب أفغانستان وشمال باكستان (مناطق قبائل الباشتون).
• الكيان الثالث: وسط وشمال باكستان.
وسوف تتم العملية حصراً عن طريق تفكيك مسرح باكستان – أفغانستان عن طريق الفوضى الخلاقة وإعادة تركيبه ضمن كيانات ثلاثة هي: أفغانستان وباكستان وباشتونيستان.
تقول التكهنات والتوقعات بأن "سيناريو الاغتيالات اللبنانية" قد تم نقله إلى باكستان وقد بدأ تنفيذه باغتيال بانزير بوتو والتي لن تكون الأخيرة، فاغتيالها يشبه كثيراً في ظروفه وتداعياته المحتملة حادثة اغتيال رفيق الحريري:
• الحريري كان رئيس وزراء سابق وبوتو رئيسة وزراء سابقة.
• الحريري يرتبط بالسعودية والخليج وبنازير بوتو ترتبط بالسعودية والخليج وكلاهما كان مقيماً في المنطقة.
• الحريري مدعوم أمريكياً وأوروبياً وبوتو أيضاً مدعومة أمريكياً وأوروبياً.
• الحريري مدعوم من طبقة رجال الأعمال في الداخل اللبناني إضافة إلى ارتباطه بالكثير من قضايا الفساد في الساحة اللبنانية، وبنازير بوتو مدعومة بواسطة طبقة رجال الأعمال في الداخل الباكستاني (زوجها أحد كبار رجال الأعمال) إضافة إلى انخراطها بالكثير من قضايا الفساد في الساحة الباكستانية.
التشابه بين "المغدورين" والتشابه بين القيمة الجيوبوليتيكية لدور "الفوضى الخلاقة اللبنانية" في تعزيز المشروع الأمريكي والغربي والإسرائيلي في منطقة شرق المتوسط، ودور "الفوضى الخلاقة الباكستانية" في تعزيز المشروع الأمريكي والغربي والإسرائيلي في منطقة وسط وجنوب آسيا، يمكن أن يكون تشابهاً مغرياً لجماعة المحافظين الجدد والإدارة الأمريكية وحلف الناتو وإسرائيل للقيام بـ"تحريك الأيادي" الخفية وتنفيذ العمليات السريّة ضد باكستان وأفغانستان.
كذلك تشير التوقعات إلى أن سيناريو "فرق الموت" الذي أعده نيغروبونتي عندما كان سفيراً لأمريكا في العراق والذي استند فيه إلى خبرته السابقة في إعداد سيناريوهات فرق الموت السلفادوري الذي يطلق عليه الخبراء تسمية "خيار السلفادور"، هو السيناريو الذي سوف يلي سيناريو الاغتيالات الباكستانية الذي بدأ بالمغدورة بوتو. هذا، وتجدر الإشارة إلى أن خدمة نغروبوانتي تضمنت الآتي:
• تولي المسؤولية عن السلفادور (كان سفيراً أمريكياً).
• تولي المسؤولية عن العراق (وكان سفيراً أمريكياً).
• تولي مسؤولية الاضطراب السياسي الباكستاني (كمبعوث بين مشرف وجورج بوش خلال أزمة مطلع تشرين الأول الماضي).
وهكذا أينما وجدت أصابع السفير الأمريكي السابق في أمريكا الوسطى وفي العراق والرئيس السابق لمجتمع الاستخبارات الأمريكي (اللجنة المسؤولة عن أجهزة المخابرات في الولايات المتحدة الستة عشر)، وأحد أبرز عناصر فضيحة إيران – كونترا، والمبعوث الأمريكي الخاص السابق في دارفور وحالياً يتولى منصب نائب وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، ولكن لشؤون ماذا... فهو أمر غير معروف حتى الآن. إذاً أينما وجدت أصابع نيغروبونتي علينا أن نتوقع ميكانيزمات وديناميكيات الفوضى الخلاقة أن تبدأ العمل، فهل يا ترى اغتالوا بوتو مثلما اغتالوا المغدور رفيق الحريري؟؟ وإذا كانت اليهودية الأمريكية باولا دوبربابتسكي خبيرة شؤون منظمات "المجتمع المدني" بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطية التابعة لوبي الإسرائيلي وجماعة المحافظين الجدد هي التي أطلقت تسمية "ثورة الأرز" على الاضطرابات السياسية اللبنانية التي أعقبت مقتل الحريري، فأي تسمية سوف يطلقون على الاضطرابات الباكستانية التي أعقبت مقتل بنازير بوتو حتى الآن لم تبرز أي تسمية للثورة الملونة الباكستانية.. وكما يقولون: "لننتظر ونرى".

 

الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...