إدغار موران.. مئة سنة من التوازُن بين العقلِ والشغف

31-07-2022

إدغار موران.. مئة سنة من التوازُن بين العقلِ والشغف

محمد برادة:

احتفل الفيلسوف «إدغار موران» يوم 8 يوليو/تموز 2021 بعيد ميلاده المئة، ومعه احتفل أصدقاؤه والأوساط الثقافيّة ورئاسة الجمهورية الفرنسيّة، لأن هذا العُمر المديد يحمله شخص عاش تجربة شخصيّة مُتفرِّدة، وعاصَر أحداثاً وازنة وحرص طوال رحلته على أنْ يَستقرئ ويتأمَّل ويُحلِّل ما عاشه في حياته الخاصّة بتماسٍّ وتفاعلٍ مع ما حبَلتْ به تلك المئة سنة الزاخرة بالتحوُّلات والصراعات والحروب والاكتشافات المُذهلة في العلوم والتكنولوجيا والفنون…

أنْ يعيش المَرءُ قرناً من الزمن، وأن يكون ذكيّاً، طلعة، مُحبّاً لاكتشاف أسرار الحياة، معناهُ أنه سيجد نفسه مُعاشراً للتاريخ، مُتابعاً لأسئلته وتقلُّباته، مُضطراً إلى استيعاب الصيْرورة ونسبية الأحداث والتحوُّلات، وضرورة البحث عن فلسفةٍ ومنهج يُتيحان له السباحة في عالَم ينتقل من فترة الإيمان المُطلق بالتقدُّم وصلاحية القيم الكونية إلى مرحلة الشكّ وسيادة المصالح الذاتية، وتعاظم المطامع الليبراليّة المُتوحشة…

لكنْ، قبل أن يواجه «إدغار» أسئلة القرن الذي عاصره وما يزال، كان عليه أن يتآلفَ مع وضعه العائلي الصعب، إذْ إنه فقَدَ أمه وهو في الحادية عشرة من عمره، وعلاقته بالأب ينقصها التفاهُم والتواطؤ، ومُناخ باريس في ثلاثينيات القرن الماضي يقتضي الجهد والمرونة والشجاعة لاجتياز المِحن والمآسي، خاصّة خلال احتلال ألمانيا النازية لفرنسا. وإذا كان المناخ الثقافيّ والفنّي آنذاك قد أسعفه على معرفة إيقاع العصر من خلال ازدهار السرياليّة والفكر الماركسي فإنّ الاحتلال ومحنة تصفية اليهود قاداهُ إلى الانخراط في المُقاومة، حيث التقى مثقَّفين بارزين وهو في مطلع الشباب. وكان من الطبيعي أيضاً أن ينضمَّ إلى الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ الذي كان يجسِّد بعضاً من مطامحه إلى التغيير. غير أن التكوين الجامعي لإدغار (فلسفة، علم اجتماع، علم نفس، تاريخ…) شحذ لديْه حاسّة النقد الذاتي وجعله منفتحاً في تفكيره على المناهج والمقولات الحريصة على فهْم المُجتمع والتاريخ وأسئلة الذات المُعقَّدة. وهذا ما تجلّى أولاً في انسحابه من الحزب الشيوعي عندما تبيَّن أنه ليس حزباً ثورياً إذْ كان تابعاً للاتحاد السوفياتيّ ويستعمل اللُّغة المُتخشِّبة التي تظلّ أبعد ما تكون عن النفاذ إلى صلب الواقع وعلائق الصراع الاجتماعيّ. هذا التحوُّل الفكريّ السياسيّ هو ما جعله يؤلِّف كتاباً بعنوان «نقدٌ ذاتي» (1959) شرح فيه مواقفه المُوفقة والبعيدة عن الصواب، مؤكِّداً على أن هذا المبدأ ضروري لاكتشاف «الطريق» وسط عالَم بالغ التعقيد، بل أكثر من ذلك، نشر كتاباًَ بعنوان «مع وضدّ ماركس» (2010). وحين بدأ «إدغار» يصوغُ تصوُّراته النظريّة عن العَالَم ومنهج تحليله، لم يبتعد عن الواقع في تجلّيّاته الملموسة، النابضة بالحقائق الشعوريّة والوجوديّة؛ كما يتجلّى ذلك من إنجازه لفيلم سينمائيّ وثائقيّ مشترك مع «جانْ روش»، يحمل عنوان «وقائع صيْف»، 1961، ويدور حول سؤالٍ جوهري يُوجَّه للناس في الشارع: ما هي السعادة في نظرك؟ وهذا الولع بالسينما سيجعله طوال حياته مُداوماً على مشاهَدة الأفلام ومناقشتها، لأنها نافذة تطلّ مباشرةً على الحياة في تجلِّياتها المُتباينة. على هذا النحو، استطاع أن يبلور «منهجه المُركَّب» للاقتراب من «الفكر المُعقَّد»… ولأن كلّ شيء في الطبيعة والعلاقات البشريّة والمعارف والعلوم يتسِمُ بالتعقيد والتداخل فإنه لا يمكن أن نحلِّل أو نفهم أن العطَب لا يأتي فقط من الهشاشة البشريّة (المصائب، الموت، اللامُتوقّع)، بل أيضاً من العواقب المُحطمة الناجمة عن كلّ قوة هائلة علميّة وتقنية واقتصاديّة، تكون هي نفسها مُسخرة من لدُن شططٍ في إرادة ترمي إلى فرض العنف والاستئثار بالربْح «(جريدة لوموند، 8 يوليو، من مقال لإدغار). وهذا المنهج المُركَّب هو ما سيقوده منذ عقود إلى إدراك أهمِّيّة البيئة وضرورة النضال لتحقيق الشروط التي تحمي الإنسان من عواقب التلوث والكوارث والأوبئة، «لأن الإنسان هو داخل الطبيعة وليس خارجها».

إلّا أن هذا المسار العلميّ، السياسيّ، لم يكن السّنَد الوحيد لـ«مُورانْ» وهو يبلور منظومته الحياتية طوال قرنٍ من الزمن؛ ذلك أن الركيزة الثانية التي دعّمتْ بنيانه الشامخ، الجاذب والمُثير للإعجاب، تتمثَّلُ في شغفه العارم بالحياة وبكلّ ما يُضفي عليها تلك المُسحة التي تجعلنا نُسبِّح بالحمد، ونراهن على استدامتها غير مُبالين بالأخطار التي تترصَّدُنا من المهد إلى اللحد. أدرك فيلسوفنا، منذ نعومة أظفاره أن العقل وحده لا يكفي لحماية خطواتنا ونحن نتدحرج عبْر المسالك الوعرة بحثاً عن مَضاءاتٍ نستهدي بنُورها. لأجل ذلك، فتَحَ قلبَه على مِصْراعيْه لكي يجرِّب ويعيش في كنَفِ الحبّ ودفء العواطف. أحبّ أكثر من مرّة، وتزوَّج أربع مرَّات، مُتحدّياً الموتَ والمرض. ذلك أن «إدغار» يمتلك قلباً دائم الخفق، مُتجاوباً مع الجمال والعواطف التي تُغني الوجود. وهذا ما جعل مساره مفتوحاً على المُغامرة والمُبادرة ومساندة قوى الإبداع عند الشباب. ومن تجربته الحياتية الزاخرة استمدَّ ضرورة الأخذ في الاعتبار لما يُسمّيه: ما لا نتوقَّع حُدوثَه (اللامُتوقع) l’inattendu. ذلك أنه على رغم انغلاق آفاق المُستقبل وتراكُم المُعضلات الطبيعيّة والسياسيّة التي تبعث على اليأس، تظلّ هناك إمكانيات مُحتملة تنبثق من صلب الأزمة لتمْنحنا بصيصاً من الضوء نستهدي به…

لقد أتيح لي أن أعايش «إدغار» عن قرب لمدة أسبوعيْن خلال شهر مايو/أيار 2020، عندما استضفناه في بيتنا أثناء سفر زوجته السيدة صباح خارج فرنسا، فتعرَّفتُ على طقوس حياته اليوميّة وعلى طيبته وشغفه بالحياة. يستيقظ حوالي التاسعة صباحاً ويبدأ بشُرب عصير الليمون مع ماءٍ ساخن، ثمَّ يتناول بعض الفيتامينات ومعها كوبٌ من الشاي الأسود وبيضة مسلوقة سَلْقاً خفيفاً؛ وبعد مهلة يتناول شرائح خبز مدهونة بالزُبْدة والعسل. في الأثناء، نتبادل الحديث حول أنباء العَالَم وعن كورونا (19) وامتدادات الحَجْر. بعد ذلك، يبدأ وقت القراءة ليمتدّ إلى موعد الغداء. ولأنه مُتعلِّق بالمعرفة والحوار، فإنه يستغني عن القيلولة ليشارك في ندوات وحوارات عبْر الشاشة الصغيرة (الزومْ). وهو يجد في ذلك مسرّة وارتياحاً لأن الحوار المعرفيّ والاجتماعيّ يجعله حاضراً في ساحة الثقافة الواسعة التي عاش فيها خلال أيام الشباب والتدريس والنضال. اتّضح لي أن «إدغارْ» يُؤمن بأن المعرفة والثقافة والصداقة والقرْب من الناس هي كلّها عناصر ضرورية لجعْل الحياة حاضرة وملموسة في السلوك والعلائق والمواقف؛ ذلك أن الحياة كلٌّ لا يتجزأ. ومن ثَمَّ، تعدّدُ اهتماماته بكلّ ما يُضفي على العيش حياة حقيقيّة، لا «حياة غائبة». وفي هذا الإطار وجدتُه يهتم بكرة القدم فشاهدنا معاً مباراة فرنسا/كَروَاتيا التي كانت ذات جودة عالية. وكانت هناك مناسبة أكَّدتْ لي إعجابه بروايات «دوستويفسكي»، عندما شاهدنا سلسلة أفلام عن حياة الكاتِب الروسي التي لا تقلّ في كثافتها ومأسويتها عن رواياته. كلّ صباح، يستيقظ «إدغارْ» مُفعما بحُبّ الحياة، حريصاً على إضافة لمسةٍ مضيئة إلى مناطق الظلمة فيها؛ فهو حريص على أن تكون المعرفة والذاكرة والتجربة في حالة عِناق من أجل إعادة ابتكار الحياة يوميّاً. هو يُدرك، منذ نَشرَ كتابه «الإنسانُ والموت»، 1951، أن حياة الفرد مؤقَّتة، لكنه يتذكَّر أن المئة سنة التي عاشها كانت مُشعّة باللحظات المُشرقات التي سطّرتْ ملاحم البطولات وثورات الشعوب المُستضعفة، وعبقريات الإبداع والفنون، وكشوفات العلم والمعرفة؛ ومن ثَمَّ ضرورة المُراهنة على حماية تلك القيم الكونيّة التي حقَّقتْ، ولو في فتراتٍ قصيرة، الصورة الأكثر اكتمالاً وصدقيةً للحياة. على هذا النحو، يتابع «إدغارْ مورانْ» رحلته الحياتيّة، مُسلَّحاً بالمعرفة والحبّ والصداقة والرأي الشجاع. تلك الشجاعة التي قادتْهُ منذ بضع سنوات إلى محاكمة كان فيها مُتهماً، بأنه مُعادٍ للسامية، إذْ كتبَ مقالاً ينتقد فيه الاحتلال الإسرائيليّ لفلسطين ويفضح أسلوب هَدْم المنازل واعتقال الشباب… لقد كان واضحاً، وهو يصرِّح قبل أيام لجريدة «ليبراسيون» الفرنسيّة: «علينا أن نعترف بأولئك الذين لا يحظوْن بالاعتراف: المُحتَقرين، والمُهانين. ليكنْ لديْكم حسُّ الأخوة تجاهَ جميع الذين يتألمون .

مجلة الدوحة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...