إلى أين نمضي وما العمل؟

29-12-2007

إلى أين نمضي وما العمل؟

كنتُ أشاهد احدى نشرات الأخبار قبل أيام عندما ظهر على الشاشة مشهدٌ لعشرات الشبان من تنظيم الجهاد، وهم يخرجون من السجن شاهرين في أيديهم مصاحف منشورة، والمُذيع يشرح أن هؤلاء أعلنوا التوبة عن العنف، وأنه سيتوالى اطلاق سراح الآخرين من التائبين خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، كما جرى من قبل اطلاق سراح التائبين من تنظيم «الجماعة الإسلامية».

لقد سيطرت عليّ مشاعر لا أستطيع وصفها، وما أظنني أنساها ما حييت. وما كانت مشاعر سخطٍ أو غضبٍ أو اعتبار، بل كانت مشاعر أسىً وكآبة خالصين. فماذا عن الذين قتلوهم، وماذا عن عشرات الألوف من رفاقهم الذين هلكوا أو انتحروا أو نُحروا، وماذا عن الآلاف الذين لا يزالون يندفعون الى العنف والموت كل يوم، وما هي الأهداف التي سعى شبابنا هؤلاء وزملاؤهم الى تحقيقها وماتوا من أجلها ويموتون؟ وأين كنا نحن الذين نتلبس لبوس الحكمة والتعقل والمعرفة المنقطعة النظير طوال العقود الأربعة الماضية؟

في العام 1997/1998 ما تابعت بالجدية المطلوبة مراجعات و «توبة» قادة تنظيم «الجماعة الإسلامية». وكان ذلك أمراً لا يجوز المرور عليه بسهولة. فقد رفض هؤلاء – بعد تردد – الانضمام الى «جبهة» بن لادن والظواهري لمقاتلة «اليهود والصليبيين». وبعد أقل من عامٍ بدأوا ينشرون مراجعاتهم لفكرة العنف وسلوكاته، ويردون بأنفسهم على «المغالطات» التي وقعوا فيها، وأفضت بهم الى ذلك المسار. ولذلك، سارعت مع بدء نشر مراجعات سيّد إمام الشريف، منظّر العنف الأول في تنظيم الجهاد، الى قراءتها بتمعن، وكتبت تقويمات أوليةً لها. بيد أن منظر الجهاديين الخارجين من السجون بالمصاحف المنشورة، هو الذي أخرجني وأحرجني، كما أحرج وأخرج ولا شك المئات من العرب والمسلمين الذين تابعوا على مدى العقدين الماضيين هذا الوباء الذي تفشّى في كيان الأمة كلها، بدءاً بالقلب العربي، والى أقاصي الديار، وفي المَهاجر. والأمر الذي يستدعي التقدير والتدبر ينقسم الى قسمين، الأول: الدوافع العميقة للظاهرة الإسلامية العنيفة. والثاني: موقف غير الحزبيين من العرب والمسلمين من الظاهرة، ومن الاشتباك الحاصل في ديارنا وفي العالم من جرائها. في القسم الأول ينبغي القول ان لا أحد منا نحن الذين نكتب ونتابع قرأَ نصوص هؤلاء القليلة بدقّةٍ وتمعن، وما كان في مقدور أبناء الظاهرة الإفصاح عن دوافعهم بأساليب ثلاثة أو مفهومة. كان منظِّروهم لا يعتبرون أنهم مدينون تجاهنا بشيء، وانما تجاه كوادرهم ومحازبيهم والمتعاطفين معهم. هم يعتبرون أنهم يقومون بواجب الدفاع عن الإسلام، وأنهم إن لم يفعلوا فسيكونون آثمين، وانه ان لم يكن النصر فهناك الشهادة العاذرة! وفي القسم الثاني، أي موقف غير الحزبيين من العنف بإسم الإسلام، فقد كانت هناك دائرةٌ واسعةٌ من الآراء والتوجهات المعلنة وغير المعلنة. هناك من ذهب الى أن الضرر النازل يمكن تحمله ما دامت الفائدة أكبر وهي إضعاف السلطات والإمبرياليين الأميركيين. وهناك من ذهب الى أن التضامن معهم واجبٌ على رغم خطَل أفكارهم بسبب نُبل مقاصدهم، وهناك من ذهب الى ان الانفجارات الهائلة هي جزءٌ من طبيعة الإسلام، وستنقضي كما في كل مرةٍ منذ أيام ابن تيمية! وهناك من اعتقد أن الظاهرة كلها ضررٌ كبير بالحاضر والمستقبل، لكن لا حيلة لنا في دفع ما حصل ويحصُل. وقد كان من هذه الفئة أناسٌ فقدوا الحل الأمني الذي تتبعه السلطات، ووجهوا نصائح للطرفين تحت اسم «ترشيد الصحوة» رامين المسؤولية على الإسرائيليين والأميركيين الذين يمارسون حملات الغزو والاضطهاد على العرب والمسلمين، فيدفعونهم باتجاه العنف العشوائي والأعمى!

وأعترف أنني تنقلت بين هذه المواقف والآراء كلها من دون أن أطمئن الى واحدٍ منها حتى اعلان بن لادن عن جبهته ضد اليهود والصليبيين في العام 1998. ولأنني ما كنت أفهم الدوافع العميقة لأكثر هؤلاء الشبان، فقد ركنت الى ان الظاهرة الإسلامية واحدة، وهي ترمي الى اقامة الدولة الإسلامية كما يتصورونها، ولها جوانب عنفية مثل كل ظاهرةٍ ثورية. ولأن الهدف مستحيل التحقق بعد تجربتي السودان والجزائر، فقد رأيت أن اليأس سيدفع الى المزيد من العنف ضدّ الداخل في الأساس، وضدّ الخارج بالتبع. وما دفعتني انتحاريات الخارج والداخل لمراجعة هذا الإدراك، بل انصرفت في النصف الأول من التسعينات لمجادلة أطروحات «صراع الحضارات»، مُسلِّماً دونما تأملٍ بأن العنف الآتي من الخارج على أمتنا وديارنا هو العلة الرئيسة للعنف المتصاعد لدى شبابنا، على رغم أن ذلك يُصادم ادراكي الأول، الذي صادمته الوقائع أيضاً!

ولست أدري هل تكون لهذه التأملات فائدة، وهي نتاج مشاعر ناجمة عن الإحساس بالفجيعة لدى مشاهدتي الجهاديين الخارجين من السجون يحملون المصاحف التي دخلوا بها اليها! أما الذي أدريه فهو أن هؤلاء الشبان الذين اكتهلوا أو شاخوا بين أفغانستان والشيشان وألبانيا والبوسنة والسجون ولا أدري أين وأين، ما كانوا يستحقون هذا المصير، وأن مسؤوليتنا نحن عما صاروا اليه، وعشرات الألوف من رفاقهم، لا تقل عن مسؤولية الإسرائيليين والأميركيين والروس والصينيين وكل الآخرين! فالوعي لدى البشر ليس انعكاساً ميكانيكياً للواقع، بل هو نتاجُ عوامل معقدة ومتراكبة. والذين لا يمارسون العنف من اسلاميينا المتشددين لا يقلون غربةً وغرابةً عن الانتحاريين والثائرين. وما جاءت غربتهم وغرابتهم نتيجة سخطهم على الأجانب، بل نتاج سخطهم على مجتمعاتهم وسلطاتهم والناس أجمعين.

وأياً يكن رأينا في قيمة مراجعات اسلاميي الجماعة والجهاد، فلا شك في أنها اقنعت آلافاً منهم. بدليل أن منتسبي «الجماعة الإسلامية» ما قاموا بأعمالٍ عنيفةٍ معروفة منذ سنوات. والغالب ان هذا الأمر ينطبق على أجنحة الجهاديين الذين يقولون بقول سيد إمام الشريف، لا بقول الظواهري. بيد أن هناك ألوفاً آخرين لا يزالون يعتبرون «الجهاد» بهذه الطريقة واجباً ونموذجاً يُحتذى. وهناك أعداد أكبر بكثير لا تزال تعتبر تصرف «حماس» في غزّة أمراً يستحق التقليد، فضلاً عن أولئك الذين تشتعل صدورهم حميةً لمشاهدة برج التجارة العالمي المتهاوي في نيويورك. ولستُ أزعمُ الآن، كما كنتُ أرى سابقاً، أن العنف باسم الإسلام سيزداد، لكن الذي أزعمه أن شباننا المتدينين يفتقرون الى النموذج والمثال، وأن جزءاً من الخطر الذي يتهددهم ويتهددنا ناجمٌ عن الافتقار الى النماذج المتميزة والجاذبة وغير العنيفة.

والذي أزعمهُ أيضاً أن التدين العميق لدى المسلمين (كما لدى بعض فرق الديانات التوحيدية الأخرى) يتوق الى الفعالية والتأثير، ويتجه غالباً (وليس دائماً) نحو الخارج. ومجالات التأثير والفعالية محدودة في مجتمعاتنا وأنظمتنا، والشاب المتدين لا يماهي بين رضا الله والنجاح في المدرسة أو الجامعة أو الحياة العملية. وسيّد إمام الشريف وهو طبيبٌ ناجحٌ، يقول عن زميله أيمن الظواهري انه كان طبيباً غير ناجح، لكنهما انتهيا معاً في أفغانستان سعياً وراء «الفلاح» وليس النجاح، فكيف نعمل لكي يستقر في «وعي» شبابنا التواصلُ بين الفلاح والنجاح في الحياة الدنيا؟!

بين الخمسينات من القرن العشرين والعام 2007 قُتل ما لا يقل عن المئة والخمسين ألفاً من الشبان والكهول باسم الإسلام، ودخل ما لا يقل عن نصف المليون السجون، باسم الإسلام أيضاً. وثلاثة أرباع هؤلاء من العرب، فإلى متى، والى أين، ولماذا، وما العمل؟ قد لا تكون هذه الخاتمة ملائمةً أو معبّرةً عما يجولُ في الخاطر. لكنه الإحساس بالفجيعة. سألتُ أحد الذين أرادوا الانضمام الى مقاتلي مخيم نهر البارد وما تمكّن من ذلك، لماذا أردتَ القتال مع جماعة شاكر العبسي؟ فأجاب وهو يُحوّل نظره عني: ولماذا لا أفعل؟! هكذا تكون المشكلةُ مشكلتنا جميعاً، وليست مشكلتهم وحدهم. ولا حول ولا قوة إلا باللّه.

رضوان السيد

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...