قصة رحلة إلى أراضي البرازيل

13-11-2009

قصة رحلة إلى أراضي البرازيل

في البرازيل، خطا كلود ليفي ستروس (الذي ولد في بروكسيل عام 1908 ـ وتوفي في باريس عام 2009) أولى خطواته في علم الاتنولوجيا. كان أرسل إلى ساو باولو عام 1935، في إطار البعثة الجامعية الفرنسية. عن هذه التجربة المؤسسة في حياته، التي كتب عنها في كتابه الشهير «مدارات حزينة»، يعود لتذكر، في هذا الحوار الذي أجرته معه صحيفة «لوفيغارو الفرنسية» عام 2005، تلك الفترة من حياته.
مناسبة الحوار مع صاحب هذا العمل الضخم في مجال العلوم الإنسانية، كان بمناسبة عام البرازيل في فرنسا، مناسبة ليعود ويعترف بميله للأشياء التي لم تعد موجودة. كلـود ليفـي سـتروس
كلود ليفي ستروس، واحد من كبار مفكري هذا العصر، الذي أبدع طرقاً في الانتربولوجيا، يعترف جميع من جاء من بعده، أنهم مدينون بفضله عليه.
الحوار نشر يومها بعنوان «حين غادرت النامبيكوراس»، ونقدم هنا ترجمة كاملة له.

نجد أن «الموسم الثقافي»، لهذا العام، 2005، والذي تشرف عليه وزارة الخارجية مهدى إلى البرازيل، ألا تشعر بأن في المناسبة حماسة خاصة من قبل الفرنسيين؟
} أنا حكم سيئ، كما تعرفون. أعيش في شبه تقاعد وأجد نفسي غير جدير لأن أحدثكم عن حالة الرأي العام الفرنسي حالياً. لكنهم، في الواقع، أخبروني أن المعرض المخصص «للبرازيل الهندية»، في «الغران باليه» في باريس، يجلب الحشود الكبيرة. من هــنا، يمــكن التفكير بأن ثمة علائق صداقة، بين فرنسا والبــرازيل، علائق قوية وقديمة جداً، تكفي أشياء قليــلة كي توقظها.
عام 1935، حين أبحرت إلى البرازيل، هل كنت تفكر بهذه الصداقة القديمة؟ هل كنت تعرف بأنك ستضع قدميك في أثر أقدام جان دو ليري، الذي سبقك في القرن السادس عشر، والذي تسميه «مونتاني (1) الرحلات القديمة» في كتابك «مدارات حزينة»؟
}كنت قرأت، قبل رحيلي، كتابه «قصة رحلة إلى أراضي البرازيل». لم أعد أعرف بالضبط في أي ظروف حدث ذلك، إذ من المفترض أن يكون صعباً اليوم الحصول على هذا الكتاب. في مكتبة «متحف الإنسان»، حيث كنت أقوم بأبحاثي، كانت هناك بدون شك، نسخة عائدة إلى طبعة القرن التاسع عشر. بدا الأمر رائعاً باكتشاف سواحل البرازيل، خليج ريو دا جانيرو، الجماعات الحيوانية، أنواع النبات وسكان البلد الأصليين في هذه العلاقة التي ضمت مسافرا سبقني بالرحلة قبل أربعة قرون. لا زالت نظرة ليري تملك نداوة كبيرة، كما أن تطلبه يشبه تطلب علماء الأجناس المعاصرين، أما كتابه «قصة رحلة إلى أراضي البرازيل» فما زال كتاباً أدبياً كبيراً. كانوا يكتبون بلغة فرنسية رائعة في عصره. بعد أن قرأته، لم أشعر بأي مفاجأة ـ حين وصلت إلى ساو باولو ـ بأن أكتشف بأن فرنسا والبرازيل كانا بلدين شبه متحدين. لتتخيلوا فقط، أنه وضمن إطار البعثة الجامعية، كنا نعطي دروسنا في ساو بالو، باللغة الفرنسية، ومن دون أي مشكلة تذكر. في ذلك العصر، كانت الطبقة البرازيلية الراقية، تتكلم الفرنسية بطلاقة.
كانت البعثة الجامعية الفرنسية التي كنت أحد أعضائها عام 1935، بمثابة «شقيقة» صغرى للبعثة الفنية الفرنسية التي قادها الرسام جان – باتيست دوبريه، إلى ريو دا جانيرو عام 1816. هل كنت تعي ذلك؟
} كنا نعرف القصة برمتها. كنّا من المعجبين بدوبريه. تمثل رسومه المائية مشاهد من الحياة اليومية في الريو دا جانيرو، وهي تشكل، في داخل البلد، قيمة اتنولوجية حقيقية. كان قدم العلاقات بين فرنسا والبرازيل أمراً معروفاً. ولا تنسَ أن جورج دوما، هذا الفيلسوف والطبيب الذي كلف بإرسال البعثات الجامعية بين عامي 1935 و1939، إلى ساو باولو، كان، بطريقة ما، يجسد هذه العلاقات. عام 1926، هو نفسه من أسس الليسيه الفرنسية، في الريو.
«عراة، متوحشون، آكلو لحوم البشر»
كنت تشعر إذاً، وأنت تضع قدميك فوق أرض ريو دا جانيرو عام 1935، بأنك موجود ضمن دائرة تاريخية بدأت في القرن السادس عشر؟
} بالتأكيد.
في كتابه «عراة، متوحشون، آكلو لحوم البشر» (1557)، يروي الرحالة الألماني هانز ستادن، بأنه قدم نفسه بصفته صديقاً للفرنسيين كي يتجنب أن يفترسه الهنود الذين أسروه. هل تصدق حقاً، ما كتبه – لاحقاً – الراهب الكبوشي، إيف ديفرو عام 1613، بأن «التوبينامباس» كانوا يجدون أن «المزاج الفرنسي الأكثر توافقا مع أمزجتهم من أي شعب آخر؟»
} من المحتمل أن يكون الأمر كذلك. ما يفسر ذلك شروط عملية الاستكشاف نفسها لشواطئ البرازبل. منذ بداية القرن السادس عشر، كان هناك فرنسيون قد أقاموا هناك. حتى خصوم «رحلة غونفيل» ، الذين يعتقدون بأن هذا الكتاب ليس سوى خدعة سنت بعد عقدين، والذين يبرهنون على ذلك بعناصر مقنعة جدا، لا يشكون أبدا بهذه الشهادات البرتغالية التي تفيد، أنه عام 1504، كانت هناك، على الأقل، خمس سفن فرنسية، راسية على الشاطئ البرازيلي، وهو الشاطئ الذي يعرف اليوم باسم سلفادور دو باهيا. في حين أنه، في ذلك الوقت، لم يكن البرتغاليون بعد قد بدأوا بسياستهم الاستعمارية. جاءت السنون الخمسون الأولى من القرن السادس عشر، لتكون – وبدون أدنى شك – العصر الأكثر مباركا في العلاقات بين الفرنسيين و«التوبي». فلغاية حملة فيلوغانيون، وحتى قيام فرنسا القطب الجنوبي، في خليج غوانابارا عام 1955، لم تكن العلاقات تشكل مطلقا لملك فرنسا مسألة سياسية. كان الأمر مجرد مبادرة من التجار والملاحين البروتونيين والنورمانديين الذين كانوا يرغبون، ببساطة، أن يتحصلوا على المنافع الثمينة التي يجدونها هناك. كان الأمر بمثابة تجارة مستقلة، مؤسسة على المقايضة، وهي أكثر حرية من سياسة الدول.
ولم تكن اللغة حاجزاً؟
} كان هناك صبية فرنسيون، شجعان، بقوا على شاطئ البرازيل، حيث تجذروا هناك، وانتهى بهم الأمر بأن تعلموا تلك اللغة، ليقوموا بدور الترجمان لدى التجار. بدون هؤلاء المترجمين، لما استطاع أندريه تيفيه – الذي كان مريضاً بشكل دائم – في أن ينقل هذه الكمية من المعلومات الموجودة في «فرادة فرنسا القطب الجنوبي». لم يقم بالأبحاث والتحقيقات بنفسه، لأنه كان طريح الفراش. كان محاطاً بالمترجمين الذين نقلوا إليه أخبار الحيوانات والنباتات، وكيفية عمل مجتمع التوبينامبا كما عاداتهم كآكلي لحوم البشر.
اتهم البرتغاليون، هؤلاء الفرنسيين الذين كانوا يعيشون مع الهنود والذين تزوجوا وأنجبوا أطفالاً، بأنهم أصبحوا من «المتوحشين» وبأنهم يأكلون لحم البشر؟.
} يمكن لنا أن نصدق أن ذلك حصل.
كيف يمكن لك أن تشرح غياب هذه الأحكام المسبقة عن الرحالة البروتونيين والنورمانديين، الذين، ليس فقط، استلطفوا الهنود، ولكنهم أحياناً كانوا يأتون بهم ليزوجوهم من فرنسيات؟
} لا تنسَ أنه تم «تعميد» (تنصير) هؤلاء الهنود. إحدى نقاط قوة المسيحية كانت بالضبط، تكمن في عدم الاهتمام إلا بالهندي. أعتقد أيضا بأن للغريب جاهاً بصفته غريباً. كل شخص كان يأتي من بعيد كان يصبح موضوع حشرية قوية.
بعد أربعة قرون من ذلك، هل كانت ذكرى تلك اللقاءات ما زالت حاضرة؟ هل شعرت بأن الهنود استقبلوك جيداً، لأنك كنت فرنسياً؟
} أبداً، لا معنى لذلك كله. القبائل التي كانت تتاجر مع فرنسا لم تكن هي نفسها القبائل التي التقيت بها في «ماتو غروسو».
الشعور التراجيدي
تحدثت عن نداوة نظرة ليري. حتى وإن كنت وجدت بالقرب من قبائل «النمبكوارا» مناخاً سبق له أن عرفه، إلا أن حملتك عام 1938 إلى «ماتو غروسو» وسمت بشعور تراجيدي بأن ثمة تدميراً لا مناص منه لحضارتهم؟
} أجل، ولحسن الحظ كنت مخطئاً. حين غادرت «النمبكوارا»، كنت مقتنعاً بأنهم لن يعودوا موجودين بعد عشرين سنة. لكنهم ما زالوا هناك. علينا أن نأمل في أن يستمروا وفي أن تحميهم الحكومة البرازيلية بشكل أفضل، وهذا ما لم تفعله لغاية الآن.
عام 1985، حين عدت إلى البرازيل، هل شعرت، مع ذلك، بأن شكلاً من أشكال التعاطي مع «النمبكوارا و«البوروروس» لم يعد ممكناً أبداً؟ هل شعرت بأن لا أحد بعدك يمكن له أن يعود ويجد تلك المشاعر التي عرفها جان دو ليري؟
} ومع ذلك كان يمكن لي أن أعود وأرى البورورس. لقد نظمت صحيفة «استادو دو ساو بالو» رحلة. استقليت مع زوجتي طائرة صغيرة من برازيليا. وبعد عدة ساعات من الطيران، حلقنا فوق أراضي البوروروس حيث تمكنت من مشاهدة البيوت. إلا أن الحلبة كانت صغيرة جداً لتتمكن الطائرة من الهبوط. توجب علينا آنذاك أن نقوم بنصف استدارة من دون أن نرى الهنود. كان الرئيس ميتران ينتظرنا في برازيليا، حيث أقام وليمة على شرف الرئيس جوزيه سارنيه. كنا نتساءل إن كنا نملك الوقود الكافي كي نعود، حين وقعنا في شرك عاصفة مخيفة. ولحسن الحظ، استطعنا العودة إلى برازيليا.
إذا أصبح من المتعذر الوصول إلى الهنود، في حين أنه، قبل نصف قرن، كان باستطاعتنا أن نذهب للقائهم، سيراً على الأقدام من ساو باولو؟
} ثمة مبالغة في القول سيراً على الأقدام من المدينة. لكني في الواقع، وجدت خارطة لولاية ساو باولو، تعود إلى عام 1915، وهي تمثل نصف الولاية باللون الأبيض، مع إشارة وحيدة «أراض مجهولة يحتلها الهنود». مع العلم انه في تلك الحقبة كانوا يستأصلون الهنود باستخفاف.
هل اهتممت في رحلتك الأولى إلى البرازيل بالتاريخ والأدب؟
} بصراحة، قليلاً جداً. لكني اهتممت بأمور أخرى غير الهنود. اهتممت كثيراً بالمدن. إنها سمة أساسية من التجربة البرازيلية. نشوء مدينة، تمتد على عصور عدة أو على ملايين السنين من العالم القديم، تستغرق سنوات قليلة في البرازيل. بالنسبة إلى عالم الاجتماع يشكل هذا الأمر تجربة كاملة. وكما أني جئت إلى جامعة ساو باولو بصفة عالم اجتماع، كنت أرسل تلاميذي ليراقبوا أحياءهم أو شوارعهم. كان يقال، إن بناء المنزل في ساو باولو يستغرق ساعة واحدة. كانت الأحياء تتغير كل يوم. وكنا نرى بالطبع بأن المدن كانت تبنى إلى جانبي سكة الحديد في شرق ولاية ساو باولو وبارانا. بدا الأمر مدهشاً. إذ أن عدد سكان المدينة الأولى كان 2000 نسمة، والمدينة التي بعدها 90 نسمة، وعلى بعد عشرين كيلومترا، كان هناك 40 نسمة، وبعدها بعشرين كيلومتراً لم يكن هناك أحد.
رحلتك عام 1985 كانت عودتك الوحيدة إلى البرازيل؟
} أجل. لقد تأثرت بأن أعود وأجد ساو باولو، ضوءها، عطرها الخاص، جامعتي في الثلاثينيات التي أصبحت اليوم مؤسسة كبيرة. لكنها كانت رحلة قصيرة. خمسة أيام فقط.
بعد غياب أربعة عقود، عدت لتقيم لمدة قصيرة في جامعة ساو باولو، كان ذلك منذ عشرين سنة، لكن ذلك لم يمنعك من أن تبقى على اتصال ثقافي مستمر مع طلابك البرازيليين؟
} كما تعرف، لم يعودوا طلابي اليوم. حتى أنهم لم يعودوا طلاب طلابي. إنهم طلاب طلاب طلابي. لكني لم أقطع الاتصال. في مجال الاتنولوجيا، على الأقل، بقيت أتراسل مع غالبية الجامعيين الذين يدرسون في البرازيل، هذا البلد الذي أكن له حباً كبيراً.
(1) نسبة إلى المفكر الفرنسي مونتاني

اسكندر حبش

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...