قمة شرم الشيخ والدعم الأوروبي لإسرائيل

19-01-2009

قمة شرم الشيخ والدعم الأوروبي لإسرائيل

الجمل: أعلنت إسرائيل عن وقف إطلاق النار من جانب واحد في قطاع غزة، ولم يكد ينقشع دخان القذائف الفوسفورية حتى حملت التقارير أخباراً حول وصول ستة من كبار قادة الاتحاد الأوروبي للمشاركة في مؤتمر قمة شرم الشيخ المصرية – الأوروبية التي دعا إليها الرئيس حسني مبارك.
* لماذا غابت الدبلوماسية الوقائية الميدانية عن المنطقة هذه المرة؟
يقولون "الشبيه بالشبيه يُدرك"، وتأسيساً على هذه القاعدة نقول أنه عندما تقدمت القوات الإسرائيلية وشنت عدوانها ضد جنوب لبنان بهدف "القضاء على حزب الله وتأمين الحدود الشمالية لإسرائيل"، جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلى المنطقة في غمرة احتدام المعارك والمجازر الإسرائيلية والآن عندما تقدمت القوات الإسرائيلية وشنت عدوانها ضد قطاع غزة بهدف "القضاء على حركة حماس وتأمين الحدود الجنوبية لإسرائيل" لم تأت الوزيرة الأمريكية إلى المنطقة برغم احتدام المعارك والمجازر.
تقول بعض التقارير والتفسيرات بأن الأسباب المحتملة تتمثل في الآتي:
• انتهاء ولاية إدارة بوش الجمهورية وعدم تمتع الوزيرة الأمريكية بالصلاحيات الكافية للقيام بالتحركات وعقد الصفقات.
• عدم رغبة الإسرائيليين في حضور الوزيرة الأمريكية رايس هذه المرة بسبب خلافاتها المتزايدة داخل الإدارة الأمريكية مع معسكر الصقور الذي يتزعمه ديك تشيني وإليوت إبراهام.
وقد أوردت بعض المواقع الإلكترونية الأمريكية تقريراً موثقاً أشار إلى النقاط الآتية:
• انهمكت وزيرة الخارجية الأمريكية في إعداد مسودة قرار مجلس الأمن الدولي الذي طالب بوقف إطلاق النار.
• في اللحظات الأخيرة اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بالرئيس بوش طالباً منه عدم تصويت أمريكا لجانب القرار.
• في اللحظات الأخيرة التي سبقت صدور القرار اتصل الرئيس الأمريكي جورج بوش بوزيرة الخارجية وطلب منها عدم التصويت إلى جانب القرار.
• امتنعت أمريكا عن التصويت وقد أثار ذلك دهشة الجميع إذ كيف تبذل الوزيرة الأمريكية مثل هذه الجهود ثم تمتنع عن التصويت.
هذا، وقد انكشفت خلفيات الموقف الأمريكي المثير للجدل في تل أبيب عندما تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي مؤكداً أنه اتصل بالرئيس بوش في اللحظات الأخيرة التي سبقت صدور القرار وعندما اتصل في المرة الأولى قالوا له بأن الرئيس مشغول في أحد الاجتماعات ولكنه قال لهم: أريد التحدث مع الرئيس بوش الآن، واستجابوا لطلبه حيث أخذ الرئيس بوش هاتفه الخاص ورد عليه وعندها طلب أولمرت منع تصويت أمريكا إلى جانب القرار وعلى الفور اتصل بوش بالوزيرة رايس طالباً منها عدم التصويت على القرار.
برر أولمرت تصرفه هذا قائلاً بأن هدفه ليس منع أمريكا من التصويت إلى جانب القرار وإنما "إذلال" الوزيرة رايس عن طريق جعلها تمتنع عن التصويت في القرار الذي شاركت في إعداده وذلك بما يجعلها تشعر بالخجل في الأوساط الدبلوماسية والسياسية طوال بقية حياتها!!
لم تحضر الوزيرة الأمريكية ولا أي مسؤول أمريكي إلى المنطقة خلال فترة احتدام المجازر في غزة، ومن الواضح أن السبب الرئيس يتمثل في عدم رغبة الإسرائيليين أولاً، وثانياً رغبة صقور الإدارة الأمريكية في عدم إرسال أي مندوب للمنطقة طالما أن ترتيبات إرسال هذا المندوب ستمر حصراً بالضرورة عبر الخارجية الأمريكية، ورابعاً في قيام الإسرائيليين بالاستفادة من نتائج دبلوماسية هزيمة حرب صيف العام 2006م عن طريق إعداد الترتيبات الاستباقية لضبط ردود الفعل الدبلوماسية الأمريكية بما يطلق يد تل أبيب بأكبر قدر ممكن في عمليتها العسكرية ضد غزة.
* قمة شرم الشيخ: بداية موسم الهجرة الأوروبية إلى المنطقة:
كان يمكن أن يكون رد الفعل الأوروبي إزاء العدوان الإسرائيلي ضد قطاع غزة عادياً، لو جاء ساركوزي إلى المنطقة لوحده، أو جاء رئيس المفوضية الأوروبية، ومن أبرز النقاط التي يمكن الإشارة إليها في هذا الخصوص نجد الآتي:
• أطلقت إسرائيل العملية العسكرية ضد غزة في وقت متزامن مع انتهاء ولاية رئاسة فرنسا (ساركوزي) للاتحاد الأوروبي وانتقال هذه الولاية إلى جهورية التشيك (ميريك توبولانيك).
• في الأيام الأولى للعمليات العسكرية الإسرائيلية أعلن ساركوزي مبادرته التي حاولت تحقيق وقف لإطلاق النار والتهدئة وعندها وجه الرئيس التشيكي انتقاداته لمبادرة ساركوزي متعللاً بأن ساركوزي قد تجاوز الاتحاد الأوروبي لأنه لم يقم لا بمشاورته كرئيس للاتحاد ولا بانتظار صدور الرأي الجماعي الأوروبي الموحد.
• توترت العلاقات على خط براغ – باريس ولكن عندما عقد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اجتماعهم بدا واضحاً أن الرأي الجماعي الأوروبي يمضي باتجاه مساندة مبادرة ساركوزي.
• طوال فترة العملية العسكرية كان توبولانيك رئيس تشيكيا ورئيس الاتحاد الأوروبي على اتصال شبه يومي مع القيادة الإسرائيلية لجهة التعبير عن مساندة إسرائيل في حربها ضد الإرهاب.
بدا واضحاً أن الرئيس التشيكي يمضي في نفس الاتجاه الذي يضم رؤساء "جمهوريات الموز" الأوروبية والقوقازية الجديدة جنباً إلى جنب مع الرئيس الجورجي ساخاشفيلي والرئيس الأوكراني يوشينكو والرئيس البولندي ليخ كاشنيسك والرئيس البلغاري جورجي باربانوف وغيرهم من زعماء حكومات يمين الوسط الأوروبية الجديدة.
تشير المعطيات والوقائع إلى أن الأزمة على خط براغ – باريس ليست سوى نقطة البداية لسلسلة من الأزمات الأوروبية السياسية – الدبلوماسية القادمة، خاصة وان الرئيس التشيكي يحاول خلال رئاسته للاتحاد الأوروبي الدفع باتجاه دعم الملفات الأمريكية التي ما زالت عالقة على مشاجب نافذة علاقات عبر الأطلنطي مثل: نشر شبكة الدفاع الصاروخي وتوسيع حلف الناتو وتوسيع الاتحاد الأوروبي وتقويض العلاقات الأوروبية – الروسية وتوظيف الاتحاد لدعم المشروع الإسرائيلي في الشرق الأوسط.
جاء الرئيس الفرنسي إلى المنطقة وأحرجته إسرائيل برغم صداقته وروابطه الكبيرة معها، وتقول المعلومات أن الرئيس التشيكي لم يفلح في تقويض المبادرة الفرنسية ولكنه أفلح في إقناع الأطراف الأوروبية باتجاه "توسيع نطاق المبادرة الفرنسية" على النحو الذي يتيح لإسرائيل توظيف الموقف الأوروبي، وإعادة توجيه الدبلوماسية الأوروبية من أجل الإنجاز بالوسائل الدبلوماسية الأوروبية ما لم تستطع إسرائيل إنجازه بالوسائل العسكرية وتحديداً: السيطرة على مصر ورفح وشريط حدود مصر مع قطاع غزة وفرض الرقابة البشرية الشديدة على سواحل القطاع.
* صفقة شرم الشيخ: الدبلوماسية الوقائية الأوروبية في خدمة إسرائيل؟
تأسيساًَ على المعطيات المتاحة حول قمة شرم الشيخ يمكن الإشارة إلى الاعتبارات الآتية المتعلقة بالقمة:
• البعد الهيكلي – البنائي: شارك في القمة مع مصر نخبة من أكبر زعماء الاتحاد الأوروبي ضمت الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني ورئيس الوزراء الإسباني ثاباتيرو والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إضافة إلى رجل محور واشنطن – تل أبيب رئيس الاتحاد الأوروبي الرئيس التشيكي توبولانيك، ومن الجانب العربي إضافة إلى الرئيس المصري حسني مبارك شارك كل من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، ومن الأطراف غير العربية -أو غير الأوروبية شارك في القمة الرئيس التركي عبد الله غول وبان كي مون أمين عام الأمم المتحدة.
• البعد الإدراكي – القيمي: تضمن جدول أعمال القمة مجرد التركيز على موضوع تهريب الأسلحة لحركة حماس المتمركزة في قطاع غزة، وذلك لجهة إيقاف هذه العملية وبكلمات أخرى، فإن الأطراف المشاركة تتبنى بشكل جماعي مفهوم سلب حركة حماس من ممارسة حق المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي كقيمة معلنة والتي تخفي في باطنها القيمة غير المعلنة المتعلقة بضمان أمن إسرائيل من تهديد المقاومة المسلحة.
• البعد التفاعلي – السلوكي: تضمن الدفع باتجاه تعاون الأطراف المشاركة في القمة لجهة كيفية تعزيز فرض الرقابة البرية والبحرية على حدود سواحل القطاع التي تبعد آلاف الكيلومترات عن القطاع كممر باب المندب وطرق الملاحة البحرية في خليج عدن والشواطئ الصومالية.
هذا، وتجدر الإشارة إلى أن القاهرة ما زالت متمسكة بموقفها الرافض لوجود المراقبين الدوليين على أراضيها المتاخمة لقطاع غزة إضافة إلى تمسك القاهرة بالمبادرة المصرية التي تهدف إلى الدفع باتجاه الآتي:
• عقد هدنة طويلة المد بين إسرائيل وحركة حماس.
• تأمين الحدود بين مصر وقطاع غزة.
• انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
• فتح المعابر.
• رفع الحصار.
• بدء حوار فلسطيني – فلسطيني.
• تأليف حكومة وحدة وطنية فلسطينية.
نلاحظ أن جدول أعمال قمة شرم الشيخ وإن كان قد تضمن العديد من الملفات الأخرى فإن مجال تركيزه الرئيسي كان محصوراً في ضرورة عدم السماح بحصول حركة حماس على الأسلحة والعتاد وبكلمات أخرى يمكن القول أن قمة شرم الشيخ جاءت على خلفية استفادة إسرائيل من دروس حرب جنوب لبنان فقد استعاد حزب الله قدراته العسكرية بسرعة بسبب تدفقات الإمداد التي حصل عليها بعد الحرب وذلك على النحو الذي جعل حزب الله الآن أكثر قوة من حزب الله الذي كان عشية حرب تموز والآن وبسبب التأييد الواسع الذي حصلت عليه حركة حماس فإن قمة شرم الشيخ ليست سوى آلية دولية – إقليمية لحرمان الحركة من خطوط إمداداتها الرئيسية وهو ما عجزت القرارات الدولية عن تحقيقه في مواجهة حزب الله.

 

الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...